فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في السورة الكريمة:

قال عليه الرحمة:
سورة قريش:
قوله جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم
بسم: الباء في {بسم} سر الموحدين عن حسبان الحدثان، وعن كل شيء مما لم يكن فكان، وتشير إلى الانقطاع إلى الله في السراء والضراء، والشدة والرخاء.
والسين تشير إلى سكونهم في جميع أحوالهم تحت جريان ما يبدو من الغيب بشرط مراعاة الأدب.
والميم تشير إلى منة الله عليهم بالتوفيق لما تحققوا به من معرفته وتخلوفا به من طاعته.
قوله جلّ ذكره: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ}.
(الإيلاف): مصدر آلَفَ، إذا جَعَلْتَهُ يَأْلَف... وهو أَلِفَ إِلْفًا.
والمعنى: جعلهم كعصفٍ مأكولٍ لإيلافِ قريْشْ، أي لِيَأْلَفوا رحلتهم في الشتاء والصيف.
وكانت لهم رحلتان للامتيار: رحلةٌ إلى الشام في القيظ، ورحلة إلى اليمن في الشتاءِ والمعنى: أنعم اللَّهُ عليهم بإهلاكِ عدوِّهم ليؤلَّفَهم رحلتيهم.
وقيل: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَ إذا الْبَيْتِ} {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} كأنه أَعْظَمَ المِنَّةَ عليهم. وأمرهم بالعبادة:
{فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَ إذا الْبَيْتِ الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ}.
فليعبدوه لِمَا أنعم به عليهم.
وقيل: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ} بعد ما أصابهم من القحط حينما دعا عليهم الرسولُ صلى الله عليه وسلم.
{وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفِ}. حين جعَلَ الحرَمَ آمِنًا، وأجارَهم من عدوِّهم. ويقال: أنعم عليهم بأن كفاهم الرحلتين بجلْبِ الناسِ الميرةَ إليهم من الشام ومن اليمن.
وَوجْهِ المِنَّةِ في الإطعام والأمان هو أن يتفرَّغوا إلى عبادة الله؛ فإِنَّ مَنْ لم يكن مكْفِي َّ الأمور لا يتفرَّغُ إلى الطاعة، ولا تساعده القوة ولا القلبُ- إلاَّ عند السلامة بكلِّ وجهٍ وقد قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} [البقرة: 155] فقدَّم الخوف على جميع أنواع البلاءِ. اهـ.

.من فوائد ابن العربي في السورة الكريمة:

قال رحمه الله:
سورة قريش فِيهَا آيَةٌ واحدة:
وَهِيَ قوله تعالى: {إيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ:
المسألة الأولى:
قوله: {إيلَافِ} وَهُوَ مَصْدَرُ أَلِفَ يَأْلَفُ عَلَى غَيْرِ الْمَصْدَرِ، وَقِيلَ: آلَفَ يُؤَالِفُ؛ قالهُ الْخَلِيلُ، وَإِيلَافِهِمْ هَذَا يَدُلُّ مِنْ الْأَوَّلِ عَلَى مَعْنَى الْبَيَانِ.
وَهُوَ مُتَعلق بِمَا قَبْلَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعلقا بِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَعلق بِالسُّورَةِ الْأُخْرَى، وَقَدْ قُطِعَ عَنْهُ بِكَلَامٍ مُبْتَدَإٍ وَاسْتِئْنَافِ بَيَانٍ، وَسَطْرٍ: بسم الله الرحمن الرحيم فَقَدْ تَبَيَّنَ وَهِيَ:
المسألة الثَّانِيَةُ:
جَوَازُ الْوَقْفِ فِي القراءة فِي القرآن قَبْلَ تَمَامِ الْكَلَامِ، وَلَيْسَتْ الْمَوَاقِفُ الَّتِي تَنْزِعُ بِهَا القراء شَرْعًا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَرْوِيًّا، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِهِ تَعْلِيمَ الطَّلَبَةِ الْمَعَانِيَ، فَإِذَا عَلِمُوهَا وَقَفُوا حَيْثُ شَاءُوا؛ فَأَمَّا الْوَقْفُ عِنْدَ انْقِطَاعِ النَّفَسِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَا تَعُدَّ مَا قَبْلَهُ إذَا اعْتَرَاك ذَلِكَ، وَلَكِنْ ابْدَأْ مِنْ حَيْثُ وَقَفَ بِك نَفَسُك، هَذَا رَأْيِي فِيهِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى مَا قالوهُ بِحَالٍ، وَلَكِنِّي أَعْتَمِدُ الْوَقْفَ عَلَى التَّمَامِ، كَرَاهِيَةَ الْخُرُوجِ عَنْهُمْ، وَأَطْرُقُ الْقول مِنْ عِيٍّ.
المسألة الثَّالِثَةُ:
قال مَالِكٌ: الشِّتَاءُ نِصْفُ السَّنَةِ، وَالصَّيْفُ نِصْفُهَا. وَلَمْ أَزَلْ أَرَى رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَنْ مَعَهُ لَا يَخْلَعُونَ عَمَائِمَهُمْ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا، وَهُوَ يَوْمُ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ بَشَنْسَ، وَهُوَ يَوْمُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ مِنْ عَدَدِ الرُّومِ أَوْ الْفُرْسِ، وَأَرَادَ بِطُلُوعِ الثُّرَيَّا أَنْ يَخْرُجَ السُّعَاةُ وَتَسِيرَ النَّاسُ بِمَوَاشِيهِمْ إلَى مِيَاهِهِمْ.
وَأَنَّ طُلُوعَ الثُّرَيَّا قُبُلُ الصَّيْفِ وَدُبُرُ الشِّتَاءِ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ عَنْهُ.
وَقال أَشْهَبُ عَنْهُ وَحْدَهُ: إذَا سَقَطَتْ الْهَقْعَةُ نَقَصَ الليل، فَلَمَّا جَعَلَ طُلُوعَ الثُّرَيَّا أَوَّلَ الصَّيْفِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَطْرُ السَّنَةِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلَ الشِّتَاءَ مِنْ بَعْدِ ذَهَابِ الصَّيْفِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ.
وَقَدْ سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَمَّنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَ أمرا حَتَّى يَدْخُلَ الشِّتَاءُ. فَقال: لَا يُكَلِّمُهُ حَتَّى يَمْضِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ هَاتُورَ.
وَلَوْ قال: حَتَّى يَدْخُلَ الصَّيْفُ لَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى يَمْضِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ بَشَنْسَ؛ فَهُوَ سَهْوٌ؛ إنَّمَا هُوَ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْ بَشَنْسَ؛ لِأَنَّك إذَا حَسَبْت الْمَنَازِلَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَ لَيْلَةً كُلَّ مَنْزِلَةٍ، عَلِمْت أَنَّ مَا بَيْنَ تِسْعَ عَشْرَةَ مِنْ هَاتُورَ لَا تَنْقَضِي مَنَازِلُهُ إلَّا بِتِسْعَ عَشْرَةَ مِنْ بَشَنْسَ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
المسألة الرَّابِعَةُ:
قال قَوْمٌ: الزَّمَانُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: شِتَاءٌ وَرَبِيعٌ، وَصَيْفٌ، وَخَرِيفٌ.
وقال قَوْمٌ: هُوَ شِتَاءٌ وَصَيْفٌ، وَقَيْظٌ، وَخَرِيفٌ.
وَاَلَّذِي قال مَالِكٌ أَصَحُّ لِأَجْلِ قِسْمَةِ اللَّهِ الزَّمَانَ قِسْمَيْنِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمَا ثَالِثًا. وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ.
المسألة الْخَامِسَةُ:
لَمَّا امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ بِرِحْلَتَيْنِ: رِحْلَةِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ؛ رِحْلَةُ الشِّتَاءِ إلَى الْيَمَنِ؛ لِأَنَّهَا بِلَادٌ حَامِيَةٌ، وَرِحْلَةُ الصَّيْفِ إلَى الشَّامِ؛ لِأَنَّهَا بِلَادٌ بَارِدَةٌ، وَقِيلَ بِتَنَقُّلِهَا بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ إلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِ الرَّجُلِ فِي الزَّمَانَيْنِ بَيْنَ مَحَلَّيْنِ يَكُونُ حَالُهُمَا فِي كُلِّ زَمَانٍ أَنْعَمَ مِنْ الْآخَرِ، كَالْجُلُوسِ فِي الْمَجْلِسِ الْبَحْرِيِّ فِي الصَّيْفِ، وَفِي الْقِبْلِيِّ فِي الشِّتَاءِ، وَفِي اتِّخَاذِ البادهنجات وَالْخَيْشِ لِلتَّبْرِيدِ، وَاللِّبَدِ وَالْيَانُوسَةِ لِلدِّفْءِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
سورة قريش:
{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2)}
قوله: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ}: في متعلق هذه اللامِ، أوجهٌ، أحدها: أنه ما في السورةِ قبلَها مِنْ قوله: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ} [قريش: 5].
قال الزمخشري: وهذا بمنزلةِ التَّضْمينِ في الشِّعْرِ. وهو أَنْ يتعلق معنى البيتِ بالذي قبلَه تَعلقا لا يَصِحُ إلا‍َّ به، وهما في مصحفِ أُبَي سورةٌ واحد بلا فَصْلٍ.
وعن عُمَرَ أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب وفي الأولى بسورةِ (والتين) انتهى. وإلى هذا ذهبَ أبو الحسنِ الأخفشُ إلاَّ أنَّ الحوفيَّ قال: ورَدَّ هذا القول جماعةٌ: بأنَّه لو كان كذا لكان {لإِيلافِ} بعضَ سورةِ {ألم تَرَ} وفي إجماعِ الجميعِ على الفَصْلِ بينهما ما يدلُّ على عَدَمِ ذلك.
الثاني: أنَّه مضمرٌ تقديرُه: فَعَلْنا ذلك، أي: إهلاكَ أصحابِ الفيل لإِيلافِ قريش.
وقيل: تقديرُه اعْجَبوا.
الثالث: أنه قوله: {فَلْيَعْبُدوا}.
وإنما دَخَلَتْ الفاءُ لِما في الكلامِ مِنْ معنى الشرطِ، أي: فإنْ لم يَعْبُدوه لسائرِ نِعَمِه فَلْيَعْبدوه لإِيلافِهم فإنَّها أَظْهَرُ نعمِهِ عليهم، قاله الزمخشري وهو قول الخليلِ قبلَه.
وقرأ ابن عامر: {لإِلافِ} دونَ ياءٍ قبل اللامِ الثانيةِ، والباقون: {لإِيلافِ} بياءٍ قبلَها، وأَجْمَعَ الكلُّ على إثبات الياءِ في الثاني، وهو {إيلافِهِمْ} ومِنْ غريبِ ما اتَّفَق في هذَيْن الحرفَيْنِ أنَّ القراء اختلفوا في سقوطِ الياءِ وثبوتِها في الأولِ، مع اتفاقِ المصاحفِ على إثباتِها خَطًَّا، واتفقوا على إثباتِ الياءِ في الثاني مع اتفاقِ المصاحفِ على سقوطِها فيه خَطًَّا، فهو أَدَلُّ دليلٍ على أنَّ القراء مُتَّبِعون الأثَر والروايةَ لا مجرَّدَ الخطِّ.
فأمَّا قراءة ابنِ عامر ففيها وجهان:
أحدهما: أنه مصدرٌ لـ: أَلِف ثلاثيًا يُقال: أَلِفْتُه إلافًا، نحو: كتبتُه كِتابًا، يُقال: أَلِفْتُه إلْفًا وإلافًا. وقد جَمَعَ الشاعرُ بينَهما في قوله:
زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكُمْ قُرَيْشٌ ** لهم إلْفٌ وليس لكُمْ إلافُ

والثاني: أنَّه مصدرُ آلَفَ رباعيًا نحو: قاتَلَ قِتالًا.
وقال الزمخشري: أي: لمُؤالَفَةِ قريشٍ.
وأمَّا قراءة الباقين فمصدرُ آلَفَ رباعيًا بزنةِ أَكْرَم يقال: آلَفْتُه أُوْلِفُه إيْلافًا.
قال الشاعر:
مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَّمْلِ أَدْماءُ حُرَّةٍ ** شعاعُ الضُّحى في مَتْنِها يَتَوضَّحُ

وقرأ عاصمٌ في رواية: {إإْلافِهم} بمهزتين: الأولى مسكورةٌ والثانية ساكنةٌ، وهي شاذَّةٌ، لأنه يجب في مثلِه إبدالُ الثانية حرفًا مجانسًا كإِيمان. ورُويَ عنه أيضًا بِهَمْزَتين مَكْسورَتَيِن بعدهما ياءٌ ساكنةٌ. وخُرِّجَتْ على أنه أَشْبَعَ كسرةً الهمزةِ الثانية فتولد منها ياءٌ، وهذه أَشَذُ مِنْ الأولى ونَقَلَ أبو البقاء أشَذَّ منها فقال: بهمزةٍ مكسورةٍ بعدها ياءٌ ساكنةٌ، بعدها همزةٌ مسكورةٌ، وهو بعيدٌ. ووَجْهُها أنه أشبعَ الكسرةَ فنشَأَتْ الياءُ، وقَصَد بذلك الفصلَ بين الهمزتَيْن كالألفِ في {أَأَنذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6].
وقرأ أبو جعفر: {لإِلْفِ قُرَيْشٍ} بزنة قِرْد. وقد تقدَم أنه مصدرٌ لأَلِفَ كقوله:
4649لهم إلْفٌ وليس لكم إلافُ

وعنه أيضًا وعن ابن كثير {إلْفِهم} وعنه أيضًا وعن ابن عامر {إلا فِهِمْ} مثل: كِتابهم.
وعنه أيضًا {لِيْلافِ} بياءٍ ساكنةٍ بعد اللامِ؛ وذلك أنه لَمَّا أبدل الثانيةَ حَذَفَ الأولى على غير قياسٍ.
وقرأ عكرمةُ {لِتَأْلَفْ قُرَيْش} فعلًا مضارعًا وعنه: لِيَأْلَفْ على الأمر، واللامُ مكسورةٌ، وعنه فَتْحُها مع الأمر وهي لُغَيَّةٌ.
وقُرَيْش اسمٌ لقبيلةٍ. قيل: هم ولد النَّضْرِ بنِ كِنانَةَ، وكلُّ مَنْ ولده النَّضْرُ فهو قُرَشِيٌّ دونَ كِنانةَ، وهو الصحيحُ وقيل: هم ولد فِهْرِ بن مالك ابن النَّضْر بنِ كِنانةَ. فَمَنْ لم يَلِدْه فِهْرٌ فليس بقُرَشيٍّ، فوقع الوِفاقُ على أنَّ بني فِهْرٍ قرشيُّون. وعلى أنًَّ كنانةَ ليسوا بقرشيين. ووقع الخلافُ في النَّضْر ومالكٍ.
واخْتُلِفَ في اشتقاقِه على أوجه، أحدها: أنه من التَّقَرُّشِ وهو التجمُّعُ سُمُّوا بذلك لاجتماعِهم بعد افتراقِهم.
قال الشاعر:
أبونا قُصَيُّ كان يدعى مُجَمِّعًا ** به جَمَّعَ اللَّهُ القبائلَ مِنْ فِهْرِ

والثاني: أنه من القَرْشِ وهو الكَسْبُ. وكانت قريشٌ تُجَّارًا. يقال: قَرَشَ يَقْرِشُ أي: اكتسب. والثالث: أنه مِنْ التفتيش. يقال قَرَّشَ يُقَرِّشُ عني، أي: فَتَّش. وكانت قريشٌ يُفَتِّشون على ذوي الخُلاَّنِ ليَسُدُّوا خُلَّتَهم.
قال الشاعر:
أيُّها الشامِتُ المُقَرِّشُ عنا ** عند عمروٍ فهَلْ له إبْقاءُ

وقد سأل معاويةُ ابنَ عباس. فقال: سُمِّيَتْ بدابةٍ في البحرِ يقال لها: القِرْش، تأكلُ ولا تُؤكَل، وتَعْلو ولا تعالى وأنشد قول تُبَّعٍ:
وَقُرَيْشٌ هي التي تَسْكُنُ البَحْ ** رَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا

تأكلُ الغَثَّ والسَّمينَ ولا تت ** رُكُ فيها لذي جناحَيْنِ رِيشا

هكذا في البلادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ** يأكلونَ البلادَ أكْلًا كَميشا

ولهم آخِرَ الزمان نَبيٌّ ** يُكْثِرُ القَتْلَ فيهمُ والخُموشا

ثم قريشٌ: إمَّا أَنْ يكونَ مصغرًا مِنْ مزيدٍ على الثلاثةِ، فيكونَ تصغيرُه تصغيرَ ترخيمٍ. فقيل: الأصلُ: مُقْرِش.
وقيل: قارِش، وإمَّا أَنْ يكونَ مُصَغَّرًا مِنْ ثلاثيٍّ نحوَ القَرْشِ. وأجمعوا على صَرْفِه هنا مُرادًا به الحيُّ ولو أُريد به القبيلةُ لا متنعَتْ مِنْ الصرفِ كقول الشاعر:
غَلَبَ المَساميحَ الوليدُ سَماحةً ** وكفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها

قال سيبويه في مَعَدّ وقُرَيْش وثَقِيْف وكِنانةَ: (هذه للأحياءِ) وإنْ جعلَتها اسمًا للقبائلِ فهو جائزٌ حَسَنٌ.
قوله: {إِيلاَفِهِمْ} مُؤَكِّدٌ للأولِ تأكيدًا لفظيًا؛ ولذلك اتّصَلَ بضميرِ ما أُضيف إليه الأولُ كما تقول: لِقيامِ زيدٍ لقيامِه أكرمْتُه. وأعربه أبو البقاء بدلًا والأول أولى.
قوله: {رِحْلَةَ} معفولٌ به بالمصدرِ، والمصدرُ مضافٌ لفاعِله، أي: لأَنْ أَلِفوا رحلةَ. والأصلُ: رحلَتْي الشتاءِ والصيفِ، ولكنه أُفْرِدَ لأَمْنِ اللَّبْسِ كقوله:
كُلوا في بَعْضِ بطنِكُمُ تَعِفُّوا

قاله الزمخشري وفيه نظرٌ؛ لأنَّ سيبويهِ يجعلُ هذا ضرورةً كقوله:
حَمامةً بَطْنِ الوادِيَيْنِ ** تَرَنَّمي..........................

وقيل: {رِحْلة} اسمُ جنسٍ. وكانت لهم أربعُ رِحَلٍ. وجعلَه بعضُهم غَلَطًا وليس كذلكَ.
وقرأ العامَّةُ بكسرِ الراءِ وهي مصدرٌ. وأبو السَّمَّال بضمِّها وهي الجهةُ التي يُرْحَلُ إليها.
والشتاءُ لامُه واوٌ لقولهم: الشَّتْوَةُ وشتا يَشْتُو. وشَذُّوا في النسبِ إليه فقالوا فيه: شَتَوِيّ. والقياس: شِتائيّ أو شِتاويّ ككِسائيّ وكِساوِيّ.
{الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)}
قوله: {مِّن جُوعٍ}: و{مِّنْ خَوْفٍ}: للتعليلِ، أي: مِنْ أجلِ جوعٍ وخوفٍ، والتنكيرُ للتعظيمِ. أي: مِنْ جوعٍ عظيمٍ وخوفٍ عظيمٍ.
وقال أبو البقاء: {ويجوزُ أَنْ يكونَ في موضعِ الحالِ مِنْ مفعولِ أَطْعَمهم} وأخفى نونَ (من) في الخاء نافعٌ في روايةٍ، وكذلك في الغينِ، وهي لغةٌ حكاها سيبويه. اهـ.